كتبت: اروي عصام
أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة، أن الابتكار في مصر لا يجب أن يظل حبيس الشعارات أو المعامل أو المبادرات المتفرقة، بل يحتاج إلى طلب صناعي حقيقي على البحث والتطوير، يحول المعرفة إلى منتج، والمشكلة الإنتاجية إلى حل، والبحث العلمي إلى قيمة اقتصادية قابلة للقياس.
وأوضح السعيطي أن المشكلة ليست في غياب العقول أو ضعف القدرة البحثية، بقدر ما تكمن في ضعف الجسر بين الجامعة والمصنع. فالبحث العلمي لا يصنع أثرًا اقتصاديًا بمجرد نشره، والابتكار لا يتحول إلى قيمة بمجرد تسجيله، بل عندما تتبناه صناعة لديها احتياج واضح، وتموله، وتجربه، وتستخدم نتائجه في تحسين منتج أو عملية أو خدمة.
وأشار خبير الإدارة الاستراتيجية إلى أن تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026 بشأن سياسة الابتكار في مصر يكشف أن إنفاق قطاع الأعمال على البحث والتطوير لا يزال عند حدود 0.2% من الناتج المحلي، ويمثل نحو 19% فقط من إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير، وهو ما يوضح أن القطاع الإنتاجي ما زال بعيدًا عن قيادة الابتكار بالقدر المطلوب.
وأضاف السعيطي أن التقرير ذاته يشير إلى أن نسبة الشركات الابتكارية في مصر بلغت نحو 29%، وهي نسبة تؤكد وجود قاعدة يمكن البناء عليها، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الابتكار لم يتحول بعد إلى سلوك واسع داخل الشركات والمصانع. فالسوق لا يحتاج إلى نماذج نجاح محدودة فقط، بل إلى منظومة تجعل التطوير المستمر جزءًا طبيعيًا من التشغيل والإنتاج.
وأكد خبير التميز المؤسسي والاستدامة أن ضعف التعاون بين الصناعة والبحث العلمي يمثل أحد أهم التحديات، حيث تشير بيانات التقرير إلى أن 7% فقط من الشركات الصغيرة والمتوسطة الابتكارية، و3% فقط من الشركات الكبيرة الابتكارية، تعاونت مع جهات بحثية خلال الفترة من 2017 إلى 2019. وهذه الأرقام تكشف أن الفجوة ليست معرفية فقط، بل تنظيمية وإدارية أيضًا.
ولفت السعيطي إلى أن التجارب العالمية تؤكد أن الدول التي نجحت في تحويل البحث العلمي إلى قوة اقتصادية لم تفعل ذلك بزيادة الإنفاق فقط، بل ببناء جسور مؤسسية واضحة بين المعمل والمصنع. ففي ألمانيا، يقوم نموذج Fraunhofer على البحث التطبيقي المرتبط مباشرة باحتياجات الصناعة، بما يجعل المعرفة أداة لتحسين الإنتاجية والجودة. وفي تايوان، لعب معهد ITRI دورًا محوريًا في نقل التكنولوجيا واستيعابها ثم تحويلها إلى قاعدة صناعية متقدمة. أما تركيا، فتقدم نموذجًا قريبًا من الاقتصادات الناشئة، من خلال التوسع في التكنوباركس ومراكز البحث والتطوير والحوافز المرتبطة بالإنتاج التكنولوجي، بما يعكس أهمية بناء بيئة وسيطة بين الجامعة والشركة والسوق.
وأوضح خبير الإدارة الاستراتيجية أن هذه النماذج تكشف أن الابتكار لا ينجح عندما يبقى داخل الجامعة، ولا عندما تتحرك الصناعة وحدها، بل عندما توجد منظومة تدير الطلب الصناعي على البحث والتطوير وتحوله إلى منتجات وموردين وصادرات. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الأبحاث المنشورة فقط، بل عدد الحلول التي دخلت خطوط الإنتاج ورفعت الجودة وخفضت التكلفة وفتحت أسواقًا جديدة.
وأضاف السعيطي أن الابتكار لا يبدأ دائمًا من فكرة كبيرة أو اختراع ضخم، بل قد يبدأ من مشكلة واضحة داخل خط إنتاج: ارتفاع الهالك، ضعف الجودة، زيادة استهلاك الطاقة، تأخر الصيانة، صعوبة التصدير، أو عدم مطابقة المنتج لمتطلبات السوق. وعندما تتحول هذه المشكلات إلى طلب بحثي واضح، يصبح للجامعة ومراكز البحث دور مباشر في تطوير الاقتصاد الحقيقي.
وأشار خبير الإدارة الاستراتيجية إلى أن مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 وضع مصر في المرتبة 86 عالميًا، مع أداء أفضل في مخرجات الابتكار مقارنة بمدخلاته، وهو ما يعني أن هناك قدرة على إنتاج نتائج رغم محدودية بعض المدخلات، لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المخرجات إلى تطبيقات صناعية وتجارية أوسع وأكثر استدامة.
وأكد السعيطي أن الدور الأمثل للدولة في هذا الملف لا يقتصر على تمويل البحث العلمي أو إطلاق المبادرات، بل يمتد إلى خلق طلب حقيقي على الابتكار داخل القطاعات الإنتاجية، من خلال حوافز للبحث والتطوير، ومنح مشتركة بين المصانع والجامعات، ومشتريات حكومية تشجع الحلول المحلية المبتكرة، وربط الدعم الصناعي بمؤشرات تطوير وابتكار واضحة.
وأضاف خبير التميز المؤسسي أن القطاع الخاص يجب ألا يتعامل مع البحث والتطوير باعتباره تكلفة إضافية، بل كأداة لخفض التكلفة وتحسين الجودة وزيادة القدرة التنافسية. فالشركة التي لا تستثمر في التطوير قد تبدو أقل تكلفة اليوم، لكنها تصبح أكثر هشاشة غدًا أمام المنافسة، وتغير التكنولوجيا، واشتراطات الجودة والتصدير.
وشدد السعيطي على أن مصر تحتاج إلى خريطة واضحة للطلب الصناعي على البحث والتطوير، تحدد المشكلات ذات الأولوية في كل قطاع: الدواء، الغذاء، الهندسة، الكيماويات، النسيج، مواد التعبئة والتغليف، الطاقة، والمعدات. فكل قطاع يجب أن يعلن احتياجاته البحثية، وتُوجه الجامعات ومراكز البحث لحلول قابلة للتطبيق لا لأبحاث منفصلة عن السوق.
وأوضح خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة أن تحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية يحتاج إلى حوكمة واضحة، تبدأ من تحديد المشكلة، ثم اختيار فريق البحث، ثم تمويل التجربة، ثم اختبار النموذج داخل بيئة إنتاج حقيقية، ثم قياس أثره على التكلفة والجودة والإنتاجية والتصدير. فغياب هذا المسار يجعل الابتكار نشاطًا منفصلًا عن الاقتصاد، بدل أن يكون محركًا له.
واختتم الدكتور سعيد السعيطي بالتأكيد على أن الابتكار في مصر لن ينجح دون طلب صناعي حقيقي على البحث والتطوير، لأن القيمة لا تولد من المعرفة وحدها، بل من قدرتها على حل مشكلة إنتاجية أو خلق منتج قابل للمنافسة. فالاقتصاد الذي يريد أن ينتج ويصدر وينافس لا يحتاج إلى بحث علمي أكثر فقط، بل إلى علاقة أعمق بين المصنع والجامعة والسوق، تجعل الابتكار جزءًا من التشغيل اليومي لا شعارًا موسميًا.



















