كتبت: اروي عصام
أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز المؤسسي والاستدامة، أن تقييم سياسات الأجور لم يعد يجب أن يتوقف عند الرقم المكتوب في مفردات المرتب أو عقد العمل، بل عند القيمة الحقيقية التي تصل إلى العامل وقدرته الفعلية على تلبية احتياجاته الأساسية في نهاية الشهر.
وأوضح السعيطي أن الفارق بين الأجر الاسمي والأجر الحقيقي أصبح أحد أهم مؤشرات استدامة رأس المال البشري داخل المؤسسات. فالأجر الاسمي هو الرقم المسجل على الورق، أما الأجر الحقيقي فهو ما يستطيع العامل شراءه فعليا بعد الاستقطاعات والتضخم وارتفاع تكلفة المعيشة. وهنا تظهر المشكلة؛ فقد تزيد الرواتب على الورق بينما تتراجع القدرة الشرائية في الواقع.
وأشار إلى أن بيانات التضخم في مصر تعكس حجم التحدي الذي يواجه الأسر والمؤسسات معا، إذ سجل التضخم الحضري السنوي 14.9% في يوليو 2026 مقابل 14.3% في يونيو 2026، وفق بيان البنك المركزي المصري استنادا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وهذا يعني أن أي زيادة في الأجر لا تقاس بقيمتها النقدية فقط، بل بقدرتها على تعويض ارتفاع الأسعار والحفاظ على مستوى معيشة العامل.
وأضاف السعيطي أن تآكل القدرة الشرائية لا يظل داخل حدود البيت، بل ينتقل إلى بيئة العمل في صورة قلق يومي، وتركيز أقل، وضغط نفسي أكبر، ورغبة مستمرة في البحث عن مصدر دخل بديل. ومن هنا، فإن الأجر الحقيقي لم يعد قضية معيشية فقط، بل أصبح مؤشرا تشغيليا يؤثر في الإنتاجية والجودة والغياب ودوران العمالة.
وأوضح أن الإدارة الحديثة لا تنظر إلى الأجور باعتبارها بند تكلفة فقط، بل كجزء من عائد الاستثمار في رأس المال البشري. فالأجر العادل يساعد على الاستقرار، ويقلل الدوران، ويحافظ على الخبرة المتراكمة، ويرفع قدرة العامل على التركيز والإنتاج، بينما يؤدي ضعف الأمان المالي إلى تراجع الاندماج الوظيفي وزيادة الفاقد غير المرئي داخل المؤسسة.
ولفت إلى أن تجاهل الأجر الحقيقي قد يكون أكثر تكلفة على المؤسسات مما يبدو في الدفاتر؛ فحين يغادر العامل المستقر، لا تخسر المؤسسة شخصا فقط، بل تتحمل تكلفة استقطاب وتدريب وفترة تعلم وأخطاء انتقالية. وتقدر Gallup تكلفة استبدال الموظف الواحد بما يتراوح بين نصف راتبه السنوي وضعفي راتبه السنوي، وهو رقم يحول الحفاظ على العامل من مسألة اجتماعية إلى قرار مالي رشيد.
وشدد السعيطي على أن الحل لا يعني مطالبة كل مؤسسة بزيادات نقدية غير محسوبة أو خارج قدرتها، لأن ذلك قد يضغط على استدامة الأعمال نفسها. لكن المطلوب هو الانتقال من منطق “زيادة المرتب” إلى منطق “إدارة القيمة التي يحصل عليها العامل”، عبر حزمة تعويضات تجمع بين أجر عادل، وحوافز إنتاجية، ومزايا غير نقدية، وشفافية في الاستقطاعات.
وأوضح أن المزايا غير النقدية مثل النقل والتغطية الطبية والوجبات ودعم الخدمات الأساسية قد تكون أحيانا أكثر أثرا من زيادة نقدية صغيرة تضيع سريعا مع التضخم، بشرط أن تدار بكفاءة. فالميزة الحقيقية هي التي تمنح العامل خدمة بجودة وسعر أفضل مما يستطيع الحصول عليه منفردا، لا أن تتحول إلى تكلفة مرتفعة بعائد محدود.
ونبه السعيطي إلى أن التغطية الطبية تمثل مثالا واضحا على أهمية حوكمة القيمة داخل حزم المزايا؛ فقد تحتسب بعض الخدمات الطبية داخل برامج التأمين أو التعاقدات المؤسسية بتكلفة أعلى بكثير من تكلفتها إذا حصل عليها الفرد مباشرة على نفقته الخاصة، رغم أن الطبيب أو المستشفى أو مستوى الرعاية قد يكون هو نفسه. كما قد يؤدي طول الإقامة أو طريقة تسعير الخدمة أو تحميل بنود إضافية إلى استنزاف رصيد الرعاية الطبية للعامل بسرعة، دون أن تتحول قيمة التغطية إلى حماية صحية عادلة ومستدامة.
وشدد على أن الهدف ليس التشكيك في أهمية التأمين الطبي، فهو من أهم أدوات حماية العامل، لكن المطلوب هو إدارة هذه التغطية بكفاءة وشفافية، من خلال مراجعة الأسعار، وربط التعاقدات بجودة الخدمة الفعلية، ومراقبة استهلاك الرصيد، ومنح العامل معلومات واضحة عن تكلفة الخدمة وما تبقى من تغطيته. فالميزة الصحية لا تقاس بحجم البوليصة على الورق، بل بقدرتها على حماية العامل وقت الحاجة دون استنزاف غير مبرر لقيمتها.
وأضاف أن المؤسسات تحتاج إلى مراجعة دورية لحزمة التعويضات، من خلال قياس القوة الشرائية، ومقارنة تكلفة المزايا بقيمتها السوقية، وقياس رضا العاملين عنها، وربط مؤشرات الغياب والدوران والأخطاء والشكاوى بمستوى الأمان المالي والمعنوي. ففي بعض الحالات، قد يكون منح العامل مرونة الاختيار بين الخدمة العينية والقيمة النقدية العادلة أكثر كفاءة وعدالة من فرض ميزة لا تحقق له منفعة ملموسة.
وأوضح السعيطي أن رأس المال البشري لا يستدام بالشعارات، بل بسياسات عادلة وذكية تعترف بأن العامل ليس مجرد مورد تشغيلي، بل شريك في خلق القيمة. فالمؤسسة التي تستثمر في استقراره تحمي خبرتها المتراكمة، وتقلل الفاقد، وترفع الجودة، وتبني بيئة عمل أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات السوق.
واختتم الدكتور سعيد السعيطي بالتأكيد على أن الأجور لا تقاس بما يكتب في مفردات المرتب، بل بما يبقى في يد العامل من قدرة على الحياة والاستقرار والإنتاج. فالميزة غير النقدية لا تكون ميزة حقيقية إلا إذا وصلت للعامل كقيمة ملموسة، لا كتكلفة مسجلة في دفاتر المؤسسة، لأن الأجر الذي لا يحمي العامل من القلق اليومي لا يحمي المؤسسة من الفاقد التشغيلي.



















