أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز التشغيلي، أن الاستدامة لم تعد مجرد مصطلح يتردد في المؤتمرات أو بندًا إضافيًا في خطط الشركات، بل أصبحت اليوم عنصرًا أساسيًا في طريقة تفكير المستثمرين عند تقييم أي سوق أو مشروع جديد، خاصة في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم نحو الاقتصاد الأخضر.
وأوضح السعيطي أن المستثمر لم يعد ينظر إلى الأرباح المتوقعة فقط، بل أصبح يهتم أيضًا بقدرة المشروع على الاستمرار، ومدى كفاءته في إدارة موارده، وقدرته على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية والبيئية. ولهذا السبب، أصبحت معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والإدارية، المعروفة بـ ESG، من المؤشرات المهمة التي يعتمد عليها كثير من المستثمرين والمؤسسات التمويلية عند اتخاذ قراراتهم، باعتبارها تعكس قدرة الشركات على إدارة المخاطر وتحقيق نمو أكثر استقرارًا على المدى الطويل.
وأشار إلى أن مصر بدأت تتحرك بشكل واضح في هذا الاتجاه، سواء من خلال التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة، أو زيادة الاهتمام بالاقتصاد الأخضر، أو دعم المشروعات الأكثر كفاءة واستدامة. لكنه أوضح أن التحرك وحده ليس كافيًا، لأن المطلوب هو استكمال هذا المسار بخطوات عملية من جانب الدولة، تشمل تشريعات أكثر وضوحًا، وحوافز مشجعة، وتمويلًا أخضر أكثر مرونة، وبنية تحتية قادرة على دعم هذا التحول، إلى جانب بيئة أعمال تتسم بالشفافية وسهولة الإجراءات. وأضاف أن ذلك هو ما يمنح السوق المصرية قوة أكبر في جذب الاستثمارات الجادة، وليس فقط تحسين صورتها أمام المستثمرين.
وقال السعيطي إن التغيرات العالمية الأخيرة، مثل ارتفاع تكاليف الطاقة، والضغوط على سلاسل الإمداد، وزيادة متطلبات الامتثال، جعلت المستثمر أكثر حرصًا على اختيار المشروعات القادرة على العمل بكفاءة ومرونة على المدى الطويل. ومن هنا أصبحت الشركات التي تهتم بترشيد الموارد، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة التشغيل، في موقع أفضل للحصول على التمويل وتعزيز قدرتها التنافسية.
وأضاف أن الاستدامة لم تعد مرتبطة بقطاع الطاقة فقط، بل أصبحت حاضرة بقوة في قطاعات متعددة مثل الصناعة والعقارات والخدمات اللوجستية والنقل، لأن المستثمر أصبح ينظر إلى المشروع من زاوية أشمل، تتعلق بقدرته على النمو، وإدارة المخاطر، وبناء شراكات قوية محليًا ودوليًا.
وأكد السعيطي أن المرحلة المقبلة تتطلب تكاملًا أكبر بين توجهات الدولة وخطط الشركات، بحيث لا تبقى الاستدامة مجرد عنوان عام، بل تتحول إلى ممارسة فعلية تنعكس على كفاءة التشغيل، واستخدام الموارد، وجاهزية المشروعات للتوسع والاستمرار. وأشار إلى أن السوق التي تنجح في تحويل الاستدامة إلى جزء حقيقي من مناخها الاستثماري ستكون أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال النوعية، خاصة تلك التي تبحث عن فرص مستقرة وقابلة للنمو.
واختتم السعيطي تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل الاستثمار في مصر سيكون أكثر ارتباطًا بالشركات التي تستطيع أن توازن بين تحقيق الربحية من جهة، والعمل بكفاءة ومسؤولية من جهة أخرى، مشيرًا إلى أن المؤسسات التي تتعامل مع الاستدامة باعتبارها أمرًا ثانويًا قد تجد نفسها أقل قدرة على المنافسة في المرحلة المقبلة.




















